المسعودي
8
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر ، وليس يعينها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي بمكانها تجد الذي أجد فقلت : والله أحسنت ، فاستزدته ، فقال : أراك كلما أنشدتك استزدتني وما ذاك إلا لفرط أدب أو فراق شجن ، فأنْشِدْني أنت أيضاً ، فقلت للذي معي : أنشده ، فأنشأ يقول : عذل وبَيْنٌ وتوديع ومرتحل أي العيون على ذا ليس تَنْهملُ ؟ تا لله ما جلدي من بعدهم جلد ولا اختزان دموعي عنهمُ بَخَلُ بلى ، وحِرمة ما ألقينَ من خبل قلبي إليهنَّ مشتاق وقد رحلوا وددت أن البحار السبع لي مَدَدٌ وأن جسمي دموع كلها همل وأن لي بدلًا من كل جانحة في كل جارحة يوم النوى مُقلُ لا درَّ درُّ النوى لو صادفتْ جبلًا لا نهدَّ منها وشيكاً ذلك الجبل الهجر والبين والواشون والإبل طلائع يتراءى أنها الأجل فقال المجنون : أحسنت ، وقد حضرني في معنى ما أنشدت إليَّ شعرٌ ، أفأنشده ؟ قلت : هات ، فأنشأ يقول : ترحَّلوا ثم نيطت دونهم سُجُفُ لو كنت أملكهم يوماً لما رحلوا يا حادِيَ العيس مهلًا كي نودعها رفقاً قليلًا ففي توديعها الأجل ما راعني اليوم شيء غير فقدهم لما استقلت وسارت بالدِّمى الإبل إني على العهد لم أنقضْ مودتهم فليت شعري وطال الدهر ما فعلوا قال المبرد : فقال الفتى الذي معي : ماتوا ، فقال المجنون : آه آه ، إن ماتوا فسوف أموت ، وسقط ميتا ، فما برحْتُ حتى غسل وكفن وصليت عليه ودفنته .